القرطبي
414
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
خلافا للفقراء ( 1 ) . أما إن الحج دون تجارة أفضل ، لعروها ( 2 ) عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها . روى الدارقطني في سننه عن أبي أمامة التيمي قال قلت لابن عمر : إني رجل أكرى في هذا الوجه ، وإن ناسا يقولون : إنه لا حج لك . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني ، فسكت حتى نزلت هذه الآية : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لك حجا ) . قوله تعالى : " فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين " فيه ست ( 3 ) عشرة مسألة . الأولى - قوله تعالى : " فإذا أفضتم " أي اندفعتم . ويقال : فاض الاناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه . ورجل فياض ، أي مندفق بالعطاء . قال زهير : وأبيض فياض يداه غمامة * على معتفيه ما تغب فواضله ( 4 ) وحديث مستفيض ، أي شائع . الثانية - قوله تعالى : " من عرفات " قراءة الجماعة " عرفات " بالتنوين ، وكذلك لو سميت امرأة بمسلمات ، لان التنوين هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه ، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين . قال النحاس : هذا الجيد . وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات ، يقول : هذه عرفات يا هذا ، ورأيت عرفات يا هذا ، بكسر التاء وبغير تنوين ، قال : لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين . وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء ، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة . وأنشدوا : تنورتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال والقول الأول أحسن ، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات ، الكسرة مقابلة الياء في مسلمين والتنوين مقابل النون . وعرفات : اسم علم ، سمي بجمع كأذرعات . وقيل : سمي
--> ( 1 ) لعله يريد بالفقراء الصوفية . ( 2 ) كذا في نسخ الأصل . ومقتضى الظاهر تذكير الضمير لعوده إلى الحج ، ولعله يريد بالتأنيث هنا : الحج بمعنى العبادة . ( 3 ) يلاحظ أن الأصول اضطربت في العدد هنا . ( 4 ) الفياض : الكثير العطاء . المعنفون : الطالبون ما عنده . يقال : عفاه واعتفاه إذا أتاه يطلب معروفة . ما تغب فواضله : أي عطاياه دائمة لا تنقطع .